٪٪ POST LINK ٪٪
الله سبحانه وتعالى خلق الذكر والأنثى وأوجد علاقة روحية وشرعية بين الطرفين، فكلاهما له حقوق وكلاهما عليه واجبات، ولكننا نجد من يسيء فهم هذا الأمر خاصة من الرجال في هذا الزمان؛ فهناك شريحة واسعة من الرجال ترى أن الله أباح لها الإساءة والضرب وهضْم حقوق المرأة دون وجه حق متذرعًا زورًا وبهتانًا بأمر “القوامة” حسب فهمه المغلوط لها والتي ورد ذكرها في قوله سبحانه: “الرجالُ قوامُون على النساءِ بِما فضل اللهُ بعضهُم على بعض وبِما أنفقُوا مِن أموالِهِم فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغيبِ بِما حفِظ اللهُ”، وبسبب هذا الفهم الناقص لهذه الآية وقع ويقع إجحاف كبير بحق المرأة، إجحاف منافٍ لكل ما شرعه الله سبحانه من حقوق وواجبات منحها الله للجنسين وللأنثى تحديدًا، فلقد كَرَّم الإسلام المرأة خير تكريم ومنحها من الحقوق ما قد يفوق الحقوق التي منحها للرجل أو على أقل تقدير منحهم حقوقًا هم فيها سواسية ونجد ذلك جليًا في العديد من مفاصل الدين وأحكامه، إلا أنه وللأسف خلط المجتمع الذكوري في هذا الزمن الحابل بالنابل في هذا الأمر تحديدًا؛ بحيث أصبح معظمهم يظن أن مفهوم القوامة في الإسلام يمنحه تفويضًا إلاهيًا بغصب حقوق المرأة وهضمها والتسلط عليها.
ولتسليط الضوء أكثر على هذه المعضلة أقول بأننا نعلم جميعاً أن الله خلق الرجل والمرأة باختلاف فكري وعاطفي وبيولوجي بشكل واضح وجليّ وحدد لكل منهما خصائص وفوارق يختص بها أحدهما عن الآخر مما استوجب جَعل أحد الطرفين قَيِّمًا على الآخر، وهنا اختار الله أن يكون هذا الطرف هو الذكر ولكننا ابتلينا في هذا الزمن بذكور إما يجهلون تعاليم الدين المتعلقة بالإناث أو يُؤولونها تأويلًا خاطئًا كي تدعم حجتهم في أمر القوامة، ونرى هذا الاعوجاج والجهل جليًا عندما يخوض الرجل في تأويل مسألة قوامته على المرأة غافلًا عن أن قوامته هذه مشروطة بأمور عدة لا تُعدّ مميزات له كما قد يظن الغالبية من الرجال بل هي واجبات عليهم ويُلزمهم الشرع بأدائها تكليفاً لهم وليس تفضيلاً فهم مُلزمون مثلاً كما أمر الله بالإنفاق على زوجاتهم وذراريهم إلزاماً لا لبس فيه كما أنهم مُلزمون بالرعاية والقيام على خدمتهما كما قال الله سبحانه وأوجب عليهم إلا إن ما أوجد اضطرابًا في فهم هذا المصطلح (القوامة) وتطبيقه عند الكثير من الذكور في مجتمعنا هو تبنيهم لعادات وتقاليد بالية ما أنزل الله بها من سلطان، والمصيبة في هذا الشأن تحديداً أن المبتلى بها يُضفي عليها صبغة شرعية ظنًا منه بجهله أنها بذلك حقوقًا مكتسبة له، بينما لو قام بتمحيصها والتدقيق فيها لعلم أنه لا يوجد أي نص شرعي يدلل على هكذا استنباط أو يمنح مثل هذه العادات والتقاليد أي صبغة شرعية تشفع لوجودها وذلك لأن الكثير منها منافية لصحيح الدين حيث أنها في أحيان كثيرة تتسبب في ارتكاب ممارسات محرمة شرعًا قبل أن تكون منبوذة خُلُقاً كالتسلط والاعتداء اللفظي أو الجسدي والعضل واغتصاب الحقوق المادية أو المعنوية للمرأة تحت استحضار فهم مغلوط لتشريعات دينية فرضها الله سبحانه وأمر بها رسوله (ص) فأصبحت المرأة بالتالي عند الكثير من هؤلاء منهوبة الحقوق مكسورة الجناح مسلوبة الإرادة باسم الدين والدين بريء من مثل هذا الجور براءة الذئب من دم يوسف.
وإن من دلائل تكريم الشريعة الإسلامية للمرأة التي كان يتم وأدها في الجاهلية نتيجة النظرة الدونية القاصرة لها في تلك الحقبة سيئة الذكر، فَرضّها لتشريعات تحث على تكريم المرأة وعلى منحها حقوقًا كثيرة كانت محرومة منها في ذلك الزمن كما أن هذه الشريعة أظهرت أمورًا لم يكن يُلقي لها بالاً ذكور تلك الجاهلية؛ فلقد بَيَّنْ الدين أن المرأة ليست مجرد “شيء” يملكه الرجل فقط وإنما هي الأم الحنون والزوجة الرؤوم والبنت الودود، فلذلك رحمها الله ورفع قدرها وأنزلها المنزلة اللائقة بها، ودلَّل على هذا المفهوم سلوك وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي رفع من قدر المرأة وأعلى شأنها ومنحها المكانة التي تليق بها؛ حيث ورد عنه عليه الصلاة والسلام أحاديث عدة تؤكد ذلك ومنها مثلًا:
• (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أبو داود
• (اتقوا الله في النساء) رواه مسلم
• (استوصوا بالنساء خيرًا) رواه البخاري ومسلم
• (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي وابن ماجة
إن ما يجب أن يعلمه الرجل في مجتمعنا أن القوامة “تكليف وليست تشريف”؛ فالإسلام حين جعل القوامة بيد الرجل لم يشرعن له بها مصادرة إرادة المرأة أو أسرته، ولم يُرِدْ الله سبحانه وتعالى حين فرض قوامة الرجل أن تكون سيفًا مسلطًا على المرأة وإنما شرعها كقوامة قائمة على مبادئ الشورى والتعاون والتفاهم بين الزوج وزوجته والدليل قوله تعالى: “وعاشروهن بالمعروف” وأيضاً قوله سبحانه: “وأمركم شورى بينكم” ولكن الواقع يشهد بأن الكثير من الرجال ممن يجهلون الحكم الشرعي للقوامة أو ممن حَمَّلوا مفهوم القوامة ما لا يحتمل، جعلوا من أمر القوامة مجرد وسيلة يلجأون إليها فقط للحطّ من شأن النساء وقدرهن ممّا جعل هذه الفئة من الرجال سببًا رئيسًا في امتعاض الكثير من النساء من مفردة “القوامة” لغةً واصطلاحاً، بل بلغ الأمر بشريحة منهن إلى التمرد على تعاليم الدين الحنيف بسبب سوء تعاطي الكثير من الرجال مع هذا الدور الممنوح لهم وسوء تطبيقهم له.
إن قوامة الرجل سواءً كانت داخل بيته أو خارجه لا تعني منحه حق الاستبداد وقهْر الطرف الآخر، فعقد الزوجية ليس عقد استرقاق ولا عقد انتفاع بجسد المرأة فقط وإنما هو أزكى وأجلُّ وأوسع من هذه النظرة الضيقة بكثير؛ فكلا الزوجين بشر له عقل يتفكر به وقلب يحب ويكره به، لذلك ينبغي أن يكون واضحًا للجميع وخصوصاً الرجال أن “القوامة” لا تعني إلغاء حقوق المرأة وتهميش شخصيتها ودورها، ولا تعني أيضًا الإذن للرجل بإيذاء المرأة والنيل من حقوقها التي كفلها لها الدين، فالقوامة هي مجرد وظيفة لا أكثر ولا أقل وعلى الرجل القيام بها كما شرعها الله دون أن يُلبسها لبوسًا لا يُقرّه دين سليم أو عرف حكيم، لبوسًا لا يرضاه الله ورسوله بأي حال من الأحوال ولا يتبناه أي إنسان سويّ عاقل منصف مدرك لحقيقة مفهوم القوامة ولكيفية التطبيق القويم لها.
القوامة تكليف لا تشريف من صحيفة الخليج الإلكترونية .
https://ift.tt/eA8V8J https://ift.tt/2QW5fBT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق